رئيس مجلس الادارة : أحمد أحمد نور

نائب رئيس مجلس الادارة : وليد كساب

رئيس التحرير : محمد عبد العظيم

الرئيسية / اراء حرة / خواطر فكرية …

خواطر فكرية …

 

أحمد مدكور

  قريب لي من الدراويش كان قد أخبرني في يوم من الأيام بعد وفاة “والدى “مباشرة  أنه قد قرأ نصا دينيا ما – لا أعلم مدى صحته ومن أين اتى به ؟- مضمونه  أن الموتى في المقابر وهم في البرزخ  يشاهدون ويشعرون  بمن يزورهم في الأعياد والمواسم ، ثم قام  بوضع  فقرة  من وحي خياله الخصب  مضيفا بثقة  ” و قد يعاير الميت اخيه الميت ايضا الذي نسيه احبائه وانشغلو بأمور الحياة عنه وعن ذكراه  او يشعر بالفخر امام  زملائه الموتى في المقابر المجاورة  لأن احبابه لازالو يتذكرونه في كل عيد ومناسبة و بعد مرور   سنوات طوال على رحيله ”   .. في البداية ، بدت لي الفكرة غريبة ومضحكة نوعا ما ،   عقليتي المادية ترفض فكرة أن يتحدث  هيكل عظمي مع اخيه الهيكل العظمي ، يتباهى امامه بزياراته ، بل ويتشاجر معه ويعايره أيضا أن اهله لا يتذكرونه  ، ولكن بعدها  قلت لنفسي ، ماذا لو كانت حكايته الخيالية حقيقية ؟ او تحمل قدرا  من الحقيقة ؟ ، لم يعد أحد من هناك ويخبرنا بما حدث له بعد الموت ، ربما انا مجرد  أحمق أخر جاهل و متعالي  .. مجرد التفكير في احتمالية أن يكون قريبي الدرويش محقا وصادقا  فيما يعتقده ارعبتني بشدة .. تخيلت “والدى” يجلس وحيدآ في قبره يعد الأيام والليالي كالمسجون  يترقب في لهفة  زيارتي البسيطة من حين إلى أخر  فشعرت بحزن وتأنيب ضمير شديد وهذا ما جعلني اقرر زيارته كلما اتيحت وسنحت لي  الفرصة في الأعياد والمواسم وفي الذكرى السنوية .   هناك ، أقف امام قبره وابدأ في الألتفات يمينا ويسارا  بحذر  وأتأكد من  أن لا أحد يراقبني ثم ابدأ في الهمهمة بصوت منخفض اقرب إلى الهمس  .. تبدأ نفسى الصغيرة الواقفة بجواري في البكاء فأمنعها برفق محذرا اياها أن هذا قد يضايق أبانا في قبره بلا داعى  ،  تتوقف عن البكاء وتحاول أن تتماسك  فألتفت مواجها  شاهد القبر ،  اغمض عيناي وأبدأ في الهمهمة مرة اخرى بصوت منخفض، يظن من حولى ومن أتى برفقتنا من اقارب القبور المجاورة  أني اتلو بضعة أيات  وادعو له بالرحمة ، في الحقيقة أنا افعل ذلك في أوقات اخرى على مدار  العام  ، ولكن في تلك اللحظات تحديدا ، وانا واقف أمام القبر  اتفرغ لمهمة اخرى ..احكي لأبى ملخص لما قد يكون  فاته من احداث في حياتنا  بعد وفاته  .. احكي له عن اشياء حدثت  واحزنتنا واشياء اخرى اسعدتنا قليلا وكنت اتمنى ان يكون بصحبتنا  ليشاركنا سعادتنا  وحزننا أيضاً.  .. افترض أن “والدى” قد صار يمتلك قدرات سمعية خارقة بعد وفاته تمكنه من سماع همساتي فلا داعي لرفع نبرة صوتي  ، ولكن احيانا وحين ابدأ في سرد  حدث هام من أحداث  حياتي المملة إلى حد ما   والتي يهمني بشدة ان يعرفه ، اقوم بتعلية صوتي قليلا لأتأكد  من انها تسمع ما أقول  ولا أبالي بمن يستمع إلى  حديثي من الواقفين  و يظن بي  الجنون   .. فربما أنا ابله مجنون  فعلا  يتحدث مع الهياكل العظمية وربما هو يسمعنى الأن  وسعيد بما اقول !! ..   لن اعرف الأجابة ابدا ولكنني سأفعل ما يتوجب فعله مادام هناك احتمال ولو ضئيل أن يكون  الدرويش محقا   ..    أمام  القبر المجاور لقبر  “والدى” تقف سيدة في منتصف الأربعينات تنتمي لشجرة العائلة من سكان المقابر  ، دائمة التواجد في المقابر  بشكل شبه يومي وقد نصبت نفسها  مسئولة عن صيانة المقابر  ومنع المتطفلين عنها  ، تأتي كل يوم ولسنوات طوال  بعد الظهيرة  وحتى العصر  وتظل جالسة أمام قبر يجمع امها وابنتها  الصغيرة ، نتبادل نفس الحديث تقريبا كل مرة  ، نتبادل التحية و الدعوات بالرحمة لأحبائنا ، ثم اخبرها وأنا ارتدي عباءة حكيم الكوكب ببعض الكليشيهات مثل أن الحزن يبدأ كبيرا ثم يخفت بالتدريج وتظل الذكريات الجميلة التى تأتي على بالنا من حين إلى أخر فنبتسم  ، تقول لي انها قد تجاوزت الحزن منذ زمن ولكن هذا قد صار بيتها الحقيقي الأن ، وانها تشعر بالوحدة حين تغادر المقابر  وتعود إلى عالمنا ، تخبرني انها قد صارت تنتظر بلهفة الموت حتى تلقى من تحب.. في كل مرة اجاريها وانظر لها بشفقة .. أود اخبارها انها غير قادرة فعلا على تجاوز الأمر ابدا وانها بحاجة شديدة  لزيارة طبيب نفسي ولكنني اخشى من ردة فعلها  إذا تجاوزت حدودي معها  ، فاتركها في حالها ..   يقاطع حديثنا شحاذو المقابر يأتي بعضهم  ويجلسو على الأرض بجواري فجأة ويبدأو في  التلاوة الجماعية بصوت جهوري منفر ومزعج  جدا ، اودع السيدة وأخرج اولملم شتات نفسى الممزقة وأنا منزعج قليلا  .  وانا خارج وعلى ناصية الطريق تجلس سيدة عجوز ، اعطيها ما في جيبي  واطلب منها أن تدعو ل “والدى” بالرحمة والمغفرة ، فربما يصل هذا الدعاء من السيدة الغريبة وربما  أنا احمق كالعادة غارقا في علمانيتي وضلالي حتى النخاع !! ، تسألني كموظفة أرشيف  ” هو ابوك وأمه اسمهم ايه ؟ ، أقول لها مبتسما “والدى فلان ابن فلانة ” وأن اكتم ضحكتي  من فكرة أنها تخشى من أن يصل الدعاء لشخص خاطئ واخسر اموالي  ، تتأمل اموالي بنظرة سريعة ثم تبدأ وصلة دعائها لفلان ابن فلانة على قدر ما اعطيتها  ، فأتركها وأنا  اتذكر  الحديث النبوي الذي يتحدث عن إنقطاع عمل الإنسان في الدنيا بعد رحيله إلا من ثلاث ، احدهم ولد صالح يدعو له ..وأقول لنفسي و لكن أنا ولد عادي لا صالح ولا طالح !! ، صحيح انا لست متدينا ولكنني  لم ارتكب الكوارث حتى الأن ولم أعيث في الدنيا فسادا و لكن لدي بضعة خطايا صغيرة  احاول تصحيحها بإطعام القطط والكلاب الصغيرة في الشوارع احيانا   .  اخرج من هدوء المقابر واعود الى ضجيج  عالمنا ، اجد عربات تجري هنا وهناك ،مارة يتشاجرون مع بعضهم البعض لأسباب قد تكون تافهة  ..اسحب نفسا عميقا أملأ به رئتاي ، نسمة هواء تداعب وجهي فأشعر ببعض  الإمتنان والنشوة حين أتأمل فكرة  اني لازلت حيا ، ابدأ في محاولة تخمين ما تبقى لي في زيارتي على الأرض ، ربما أياما ، ربما عدة أشهر او سنوات طوال  وحين أتعب من محاولة التخمين  ، اذكر نفسي بعهدا كنت قد قطعته على نفسي منذ مدة طويلة ،  أن أحاول ان استمتع بما بقى من أيامي قدر الإمكان و إن كنت لن  اصبح عظيما ومفيدا بما يكفي ليتذكرني الناس بكلمة خير بعد رحيلي  ،  فعلى الأقل أحاول  أن لا أكون فظ مؤذيا  تلاحقني اللعنات في قبرى و هذا اضعف الأيمان .

عن عيون المجلس

شاهد أيضاً

كلمة الرئيس السيسي في يوم أفريقيا ..

حسن ربيع.. قال الرئيس عبد الفتاح السيسى، إنه من المهم أن نعمل على الاستفادة من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *